الرئيسية منبر الواقع مستقبل قضية الصحراء على ضوء الإستراتيجية الامريكية الجديدة للرئيس ترامب تجاه إفريقيا

مستقبل قضية الصحراء على ضوء الإستراتيجية الامريكية الجديدة للرئيس ترامب تجاه إفريقيا

كتب في 12 مارس 2019 - 6:00 م
مشاركة

بقلم : د- الشيخ بوسعيد


في الأيام القليلة المقبلة، ستشتد الأنظار نحو مائدة النقاش المستديرة حول قضية الصحراء التي يعتزم المبعوث الاممي هورست كولر عقدها بمدينة جنيف السويسرية أيام 21 و22 من الشهرالجاري بين إطراف النزاع المغرب وجبهة البوليساريو، وبحضورالدولتين الجارتين الجزائر وموريتانيا، اللتان يمكنهما أن تلعبان دورا رئيسيا ومهما في الدفع بالعملية السياسية نحو الأمام .


ويأتي هذا اللقاء في إطار مجهودات الأمم المتحدة لإحياء مسار مفاوضات السلام تحت إشراف هورست كولرالمبعوث الاممي إلى الصحراء، وأيضا كنتيجة لاجتماعات مكثفة مع الأطراف المعنية بالنزاع عقدها الوسيط الاممي بكل من باريس وبرلين، والتي تسبق موعد محادثات محطة جنيف الثانية من اجل حلحلة حالة الجمود والركود التي يعرفها ملف الصحراء منذ سنوات، وتليين مواقف الأطراف من اجل التوصل الى اتفاق نهائي وشامل تحت مظلة الأمم المتحدة، الشيء الذي حذا ببعض القوى الدولية الكبرى المتنافسة على بسط نفوذها على شمال إفريقيا في ظل النظام الدولي الحالي المتعدد الأقطاب والمصالح، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ؛ الصين ؛ روسيا ؛ فرنسا. بالإضافة الى قوى أخرى صاعدة كتركيا، حيث تتهافت هذه الدول من اجل عن البحث عن موارد جديدة . إذن فما هي أولويات سياسة الرئيس ترامب تجاه القارة الإفريقية ؟ وماهي انعكاساتها على الظرفية الحالية التي تمر بها قضية الصحراء ؟


أولا – الموقف الأمريكي الأخير تجاه قضية الصحراء من خلال تصريحات
مستشار الأمن القومي جون بولتون :


أدت التصريحات الأخيرة لمستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي”جون بولتون” في محاضرة ألقاها يوم 13 دجنبر الماضي بمركز الأبحاث “هيريتج فاونديشن ” حول إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية تجاه إفريقيا، والتي تهم ثلاثة جوانب رئيسية . حيث يتحدث المحورالاول من العرض عن الجانب المتعلق بتطوير وتقوية العلاقات الاقتصادية والتجارية عبر القارة الإفريقية بما يخدم مصالح أمريكا ودول إفريقيا معا . أما المحور الثاني من الدراسة فتطرق لمحاربة تهديدات الإسلام السياسي والنزاعات المسلحة. فيما المحور الأخير من الدراسة عالج الطريقة المثلى لاستخدام أموال دافعي الضرائب من الشعب الأمريكي بشكل ناجع ويخدم مصالح أمريكا، وهو ما تتبناه سياسة الرئيس ترامب الجديدة فيما يخص بعثات حفظ السلام التي تقوم بوظائفها المنوطة بها على أحسن ما يرام ، عكس بعثات السلام التي يصفها جون بولتون بغير الناجحة ، وغير المسؤولة وغير الفعالة في عملها .


لقد كان لتصريحات بولتون بشان نزاع الصحراء وعدم ترحيبه باستمرار لمهمة بعثة الأمم المتحدة بالصحراء (المينورسو)، بسبب عدم إحراز أي تقدم في الملف، مما كان له الأثرالكبير لدى الساسة بالرباط، مما ادى الى بروز ردود أفعال سلبية بالمغرب، تتهم “بولتون” بالانحياز لأطروحة جبهة البوليساريو التي تتبنى تقرير المصير . وكان بولتون قد صرح بأنه يشعر بخيمة كبيرة حيال جمود ملف الصحراء دون تقدم يذكر في هذا المسار الاممي رغم مرور عدة سنوات، مشيرا الى أن الولايات المتحدة ستطلب إنهاء مهمات الأمم المتحدة في إفريقيا، ومن بينها بعثة ” المينورسو ” بالصحراء لكونها ” لم تأتي بسلام دائم ” .


وسبق لبولتون ان ادى دورا رئيسيا ومحوريا في تقليص ولاية بعثة المينورسو الى الصحراء من سنة كاملة الى ستة أشهر، بهدف الضغط على أطراف النزاع للوصول الى حل سياسي متفق عليه، كما انه يسعى الى خفض مساهمة الولايات المتحدة المخصصة لبعثة الأمم المتحدة بالصحراء التي تقدر ميزانيتها السنوية بحوالي 53 مليون دولار، وهو ما كان متجسدا في قراري مجلس الأمن رقم 2414 وأيضا 2440. وفي سياق متصل أضاف “بولتون” أيضا : ” اعتقد انه يجب ان يكون هناك تركيز أكثر على حل النزاع الأساسي، وبالتالي تحقيق النجاح في مهمة حفظ السلام . النجاح ليس مجرد الاستمرار فالمهمة. وأنا اختار نزاع الصحراء كمثال مفضل لدي ؛ 27 سنة من نشر قوات حفظ السلام هذه، 27 سنة ومازالت هناك ؟ كيف يمكنك ان تبرر ذلك ؟ أليست هناك طريقة لحلها ؟ ” . اذن أصبحت تطفو على السطح ملامح السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة نحو إفريقيا، والتي تجد لها مبررات من قبيل تراجع الدور التقليدي والمتنامي لفرنسا بالمنطقة، والتسابق الأمريكي-الصيني والروسي على مناطق النفوذ والسعي الى السيطرة، أضف الى ذلك حجم الاستثمارات الصينية الضخمة في القارة الإفريقية وتوسع نشاطها الاقتصادي والتجاري، كلها عوامل قلق رئيسية لدى صناع القرار السياسي الأمريكي من ظهور قوى دولية وتعدد الاقطاب مما سيؤسس لبلورة سياسة أمريكية جديدة تجاه إفريقيا .


ثانيا- أفاق الإستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه دول إفريقيا وانعكاسها على ملف الصحراء :


يبدو أن الرسائل التي يريد بولتون ان يوجهها من مركز الأبحاث بواشنطن كانت واضحة، وهي القطع مع حالة الجمود التي يمر بها النزاع، وان الإطراف تتفاوض قرابة ثلاثة عقود من الزمن، الشيء الذي يدل على ان الرؤى متقاربة نحو الحل نسبيا وغير متباعدة، ولا تجتاج لا إلى مفاوضات مطولة وشاقة وإنما الذهاب إلى لب وجوهرالمشكل وإقناع طرفي النزاع بالعودة للمفاوضات المباشرة من اجل الوصول الى حل نهائي ودائم، فإذا لم يحصل هذا الأخير فستغادر المنظمة الدولية، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام عودة الحرب ودخول المنطقة برمتها في دوامة انعدام الأمن والاستقرار والفوضى الخلاقة، ومن هنا يجب استحضار المشهد الليبي؛ العراقي؛ السوري واليمن حاليا ، حيث يتفاقم الوضع المزري بتزايد المعانات اليومية للملايين من النازحين واللاجئين والمهاجرين؛ وتضارب الجماعات الإسلامية المتطرفة؛ وانهيار مؤسسات الدولة، حيث ان خيار الحرب رهان لا يخدم أي مصلحة أو طرف كيف ما كان . مما يستوجب على الإطراف تجنبها قدر الإمكان والتفكير في حلول وتسويات تخدم شعوب المنطقة وتفتح لهم أفاقا واعدة، حيث يرى العديد من الدارسين والمهتمين أن حل دائم لقضية الصحراء سيساهم في استقرار المنطقة، وتحقيق وحدة مغاربية واندماج اقتصادي متكامل، مما سيساعد في تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والتنسيق الامني المحكم بين دول المنطقة، وتحقيق الرفاه الاجتماعي بما يخدم مصالح الطرفين ويعزز مستقبلهما، مما يتوجب على الجانبين الدخول في مفاوضات جدية لتحديد الوضع النهائي للإقليم المتنازع عليه بين المغرب وجبهة البوليساريو، وسيمهد ربما لحصول تقارب مغربي-جزائري في المستقبل مبني على الوضوح والصراحة من اجل تسوية جميع المشاكل العالقة، الشيء الذي سيخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبار دول شمال إفريقيا سوق مهمة لها، وأيضا بوابة ومدخل نحو القارة الإفريقية من اجل تطبيق إستراتيجية الرئيس ترامب الجديدة تجاه دول إفريقيا .


يمكن الإشارة الى ان ملامح أفاق ومستقبل الإستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه قضية الصحراء أصبحت تظهر جليا مع تولي جون بولتون مستشار الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب للأمن القومي، خاصة في ما يتعلق بمراجعة السياسات الأمريكية الخاصة ببعض عمليات حفظ الأمن والسلام الدوليين، وعلى رأسهم بعثة المينورسو بالصحراء، فرغم المساعي التي بذلها المغرب ومن ورائه فرنسا والأمين العام للأمم المتحدة في محاولة التمديد للبعثة سنة كاملة، وعند تبني القرار رقم 2440 ، صرح “جونثان كوهين” نائب مندوب الولايات المتحدة؛ أكتوبر الماضي داخل أروقة مجلس الأمن ان: ” التجديد للبعثة لن يتم بشكل تلقائي ومرتبط بمستوى التقدم الحاصل على ارض الواقع ، وانه انتهى زمن التلاعب بقضية الصحراء الغربية ” . واللافت للانتباه أن المسعى الأمريكي بتقليص كلفة بعثات السلام الدولية وخاصة بعثة المينورسو، ودعوة واشنطن للتعجيل بايجاد حل سياسي لنزاع الصحراء، يعتبران عنصران رئيسيان دافعت عنهم الادارة الامريكية الحالية، خصوصا مع تقلد “جون بولتون” لمنصب مستشار الرئيس للأمن القومي، ومعرفته الواسعة بملف الصحراء من خلال مشاركته سابقا في صياغة مهمة بعثة المينورسو، أو من خلال وجوده في فريق عمل المبعوث الاممي السابق للصحراء “جيمس بيكر”، ثم أيضا كمندوب لبلاده في الأمم المتحدة، وحاليا يمتلك جون بولتون زمام الأمور بحكم قربه من الرئيس ترامب كمستشار للأمن القومي الأمريكي وأيضا مراقب لمصالح أمريكا الخارجية. وكان بولتون قد لمح الى أن المبعوث الاممي الحالي لديه ” أفكار خلاقة ” في اتجاه الحل ، وهذا يدل على أن بولتون وهورست كولر يتبادلان الأفكار والرؤى المستقبلة المتعلقة بملامح المرحلة القادمة إذا
لم تتوصل الإطراف الى حل .


يمكن القول بان عدم توصل أطراف النزاع الى حل نهائي ودائم لقضية الصحراء ، وإمكانية احتمال مغادرة بعثة المينورسو، كلها عوامل قد تدفع الى فرض حل على الإطراف قد لا يرضي أيا من الجانبين . إذن ترتب عن هذه الضغوط الممارسة على الأطراف انطلاق الجولة الأولى من لقاء الطاولة المستديرة يومي 4 و5 دجنبرالماضي بين المغرب وجبهة البوليساريو وبحضور البلدين المجاورين الجزائر وموريتانيا بالعاصمة السويسرية جنيف وذلك بعد سنوات من الركود والجمود، بينما يرتقب ان يتمحور جدول أعمال المحطة الثانية يومي 21 و22 مارس الحالي حول تصور أطراف النزاع لإعادة إحياء المفاوضات، وأيضا دور الدولتان الجارتان الجزائر وموريتانيا في دعم وتفوية مستقبل عملية السلام بالمنطقة، ومن المتوقع ان يشهد شهر ابريل القادم انعقاد عدة جلسات لمجلس الأمن لمناقشة مستجدات وتطورات قضية الصحراء مباشرة بعد انتهاء المائدة المستديرة الثانية والتي ستشهدها مدينة جنيف في الأيام القليلة المقبلة .


كل الدلائل والمؤشرات الراهنة تتجه نحو التوصل الى اتفاق أو فرض حل سياسي غير ان فحواه يبقى غير واضح المعالم، ومرهون بمدى تعاون أطراف النزاع، خصوصا ان الادارة الامريكية الحالية تمارس مجموعة من الضغوطات ومهتمة أكثر من سابقاتها قبل انقضاء الفترة الرئاسية الحالية لترامب في إيجاد تسوية سياسية لملف الصحراء الذي عمر طويلا، ويعيق مستقيل المنطقة المغاربية بصفة خاصة والشراكة الامريكية -الإفريقية .

error: Content is protected !!