الرئيسية منبر الواقع الإعاقة .. و كرونولوجيا المفاهيم

الإعاقة .. و كرونولوجيا المفاهيم

كتب في 16 مايو 2019 - 9:38 م
مشاركة


بقلم: ذ – صباح العروسي


إرتفعت نسبة الإعاقة حول العالم إلى حوالي 15%  من مجموع سكان العالم،[1] أي ما يقارب المليار نسمة، على رأس اللائحة النساء والعجزة المسنين. والملاحظ أن القاسم المشترك بينهم هو عامل الهشاشة والفقر. ثم يتلو ذلك الأطفال تحت سن 15 سنة، حيث تبلغ نسبة الإصابة بإعاقة 1 من 20، أي 93 مليون حالة طفولية.


الأمر الذي لفت إنتباه منظمة الصحة العالمية، و قطاع الصحة لدول العالم، مما جعل الأمر هلامي من حيث الإصطلاح والمفهوم عبر المراحل الزمنية، ولأن بعض الإعاقات لا تولد مع الإنسان فقد تطور مفهوم الإعاقة و وضعت له مؤخرا تعاريف أشمل و أنواع معترف بها حول العالم.


وشكلت الإعاقة مفهوما لا يزال قيد التطور، فهي تحدث بسبب التفاعل بين الأشخاص المصابين بعاهة والحواجز في المواقف والبيئات المحيطة، التي تحول دون مشاركتهم مشاركة كاملة وفعالة في مجتمعاتهم، على قدم المساواة مع الآخرين.[2]


ولأنه مصطلح عام، فقد تعددت أبعاده بتعدد المقاربات المعتمدة والمرتبطة أصلا بالتخصصات المتناولة.


وقد عرف مفهوم الإعاقة تدويلا مرهقا من لدن المجتمع، ومن لدن المختصين بصياغة نصوصها الحقوقية وغيرها، فانطلقت مع مصطلح ‘المعوقين’، تارة بفتح الواو كإشارة إلى وجود عراقيل تَعُوق حرية الشخص، وتارة بكسرالواو إشارة إلى أنه يعيق حركة الآخرين. وما بين الفتحة والكسرة إنكسرت خواطر وجرحت مشاعر… ما أدى إلى إعتكاف شبه تام  لهذه الفئة المجتمعية عن المشاركة في عموم الحياة العامة، إلا من تسلح بالعزيمة وروح التحدي لإثبات العكس. وقد عرف انتقادا على مر السنين لأنه تمييز صارخ و إتهام بعرقلة المجتمع، والحق أن الإصابة بإعاقة ما ليس إختيارا بل قضاء الله و قدره، وأن الرغبة في الحياة والإنتاجية هي قرار يجب إحترامه، والإنزعاج منه وإقصاء أصحابه يعتبر تمييزا يعاقب عليه القانون طبقا لمجوعة من المواد الواردة في إتفاقية ‘ حقوق الأشخاص ذوي إعاقة’ منها على سبيل المثال لا الحصر المواد 2 و 3و 5و 8.


وعليه إنتقل المفهوم إلى مستوى آخر، مع مصطلح ” ذوي الإحتياجات الخاصة’ في إشارة إلى أن الشخص ذا إعاقة بحاجة دائما إلى مساعدة تُقَوِمُ تحركه نحو تحقيق غاية ما، بسيطة كانت أم مركبة، ولأن هناك دائما من يسعى إلى تحقيق المساواة والعدالة الإجتماعية وتوفير الإحترام اللازم، فقد تم التوصل إلى أن هذا المسمى لا يتناسب والوضع الصحي لذوي إعاقة ،بل يتناسب مع الجميع على حد السواء، وليس فيه أية محاولة لتسوية الوضع ومن منا لا ليس بحاجة الى أمور وآليات… لتسهيل ممارسة حياته اليومية.


وعلى الرغم من أن البعض مستمر بتلقيبهم ‘بذوي الإحتياجات الخاصة ‘،فإن البعض الآخر يلجؤ إلى مصطلحات يعلوها الجانب العاطفـ كـ ‘أصحاب الهمم’ و’الخارقين’ وغيرها، وهي في الغالب ليست دقيقة، بل تقترب للجانب الإحساني وتعزز من نظرة الشفقة المرفوضة أساسا.


ثم تم التوصل إلى مصطلح ‘الأشخاص ذوي إعاقة’ أو ‘في وضعية إعاقة’، وهو آخر مصطلح أجمع عليه العالم، وهو الوصف المنصف والمقبول لحد الآن، فهو يرضي نوعية وجود وكذا كبر طموح هؤلاء الأشخاص بالنسبة للمشاركة الاجتماعية والتي قد يغلبها الطابع الوطني والدولي للبعض منهم، ممن تحدون واقعهم واجتهدوا أكثر لإثبات قدرة أو موهبة، أو إرسال رسالة  ما للمحيط والعالم.


وعلى الرغم من التأخر الواضح في استعمال هذا المسمى الأخير، بشكل عام وشامل في جميع المجالات، وبخاصة في مجال الإعلام، نظرا لطول الفترة الزمنية التي استغرقها استعمال مصطلح ‘ذوي الاحتياجات الخاصة ‘ إلا أن التشبث به هو الحل الوحيد إلى حين التوصل إلى مسمى أكثر دقة و أشمل توصيفا.


و يبقى المتفق عليه هو أن الإعاقة هي ذاك المصطلح الذي يغطي مفهوم العجز والقيود على النشاط، ومقيدات المشاركة.


والعجز هو تلك المشكلة من وظيفة الجسم أو في هيكله، والحد من النشاط هو تلك الصعوبة التي يواجهها الفرد في تنفيذ مهمة أوعمل ما. وبالتالي تقييد المشاركة في مواقف الحياة، لذلك فالإعاقة هي ظاهرة معقدة، تعكس التفاعل بين ملامح جسم الشخص وملامح المجتمع الذي يعيش فيه[3] .وهو التعريف المعتمد عالميا وفي المجالين القانوني والحقوقي.


وعن أنواعها، فقد أورد التقرير الدولي لمنظمة الصحة العالمية الصادر في سنة 2014م، في تعريفه لمصطلح ‘الأشخاص في وضعية إعاقة إلى تلك الفئات التقليدية مثل الأطفال المصابين بالشلل الدماغي عند الولادة، والأشخاص الذين يتحركون على الكراسي المتحركة، والمكفوفين، والصم، والمصابين بالعجز الذهني أو بالإضطرابات النفسية، وأولئك الأشخاص الذين يعانون من صعوبات وظيفية مرتبطة بأمراض مختلفة مثل الأمرض غير السارية، الأمراض المعدية، الإضطرابات العصبية، والكسور والأمراض المرتبطة بالشيخوخة.


أيضا يشير المصطلح إلى أي شخص لديه قصور أو إنحصار في قدراته البدنية أو العقلية أو الحسية بصورة دائمة، سواء كانت مستقرة أم متطورة. قد يمنعه عند التعامل مع مختلف الحواجز، من المشاركة بصورة فعالة في المجتمع على قدم المساواة مع الآخرين  [4]


وعيه تتفق جميع المواثيق والعهود الدولية والوطنية أن الإعاقة  تصنف إلى :

  • الإعاقة  الحركية.
  • الإعاقة  الذهنية.
  • الإعاقة  السمعية.
  • الإعاقة  البصرية.
  • الإعاقة  النفسية.
  • إضطراب طيف التوحد.
  • الإضطرابات الوظيفية –Troubles dys.
  • متلازمة داون
  • الإعاقات المتعددة والمتصادفة.

هذه التعاريف و التصنيفات التي تنهي عهد المغالطات، سواء منها ماورد على سبيل المغالطة و التنمر،  أو على سبيل المناهضة و الترافع، جاءت نتيجة لتوافق المنتظم الدولي. 


وحيث سعى المنتظم الدولي إلى إذكاء الوعي في تناول وتطبيق كل الحقوق والحريات المتفق عليها، والتأكيد على تطبيقها، ثم خلق سبل تسهيل تمتع الأشخاص ذوي إعاقة بحقوقهم كاملة، إبتداءا من الإعتراف بوجودهم كشريحة من الهرم الديمغرافي الدولي، وصولا إلى  فرض خلق سبل رصد آليات لتطبيق كل التعهدات الموضوعة على كاهل كل دولة ومنظمة  حول الموضوع.


وردما لقوالب مجتمعية تُؤَطَرُ أحيانا بنظرة تشجيعية مبالغ فيها بشكل لافت تصفهم بالخارقين أحيانا، وتجاوزا لصور نمطية تغلب عليها ألوان متداخلة من الشفقة والخجل وظلال من الميز والإقصاء أحيانا أخرى …يبقى أن نتسائل حول مدى إلتزام و إحترام المجتمع للأشخاص ذوي إعاقة كوجود تمرد عن الظل و الحزن والخجل؟  وما مدى  ضبط لغة التواصل معهم وعنهم ؟


[1]  حسب أخر الإحصائيات الدولية.

[2]  من ديباجة ‘اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي إعاقة’.

[3]  تعريف لمنظمة الصحة العالمية ،بتصرف

[4] الفصل 2 من القانون المغربي  الإطار عدد 13- 97 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها.

error: Content is protected !!