الرئيسية منبر الواقع التقاليد و العادات الصحراوية

التقاليد و العادات الصحراوية

كتب في 14 فبراير 2019 - 10:17 م
مشاركة


   ذ: محمد فاضل الفيرس*

إن التقاليد (Les traditions) و العادات هي مجموعة ممارسات يتوارثها أفراد مجتمع معين خلال فترات زمنية مختلفة وطويلة، وهي إحدى مكونات الثقافة، على اعتبار أن الثقافة حسب تيلور تتكون من» المعارف و المعتقدات والفن و الحقوق و الأخلاق و الأعراف وسائر القابليات و العادات« وهي المسؤولة عن الجزء الأكبر من محتوى أي شخصية وكذلك على جانب هام من المشكل الخارجي لبناء الشخصية حسب السوسيولوجي الأمريكي رالف لينتون فالثقافة بشكل أعم تمارس من خلال  أحداث و فيم و ممارسات، كالزواج والإنجـــاب و الطلاق و المعتقدات وغيرها، فالمجتمع الصحراوي من المجتمعات التي تلعب فيها الثقافة دوراً أساسيا في رسم معالمه وتحديد شخصيته، فما هي إذن التقاليد والعادات التي تمارس من خلال هذه الأحداث (الزواج والإنجاب داخل المجتمع الصحراوي).

التقاليد الصحراوية من خلال مؤسسة الزواج:

تعتبر مؤسسة الزواج من أهم القيم الرائجة في المجتمع الصحراوي في حالة البداوة والاستقرار وتستمد مشروعيتها وشرعيتها من التعاليم الدينية وتتأسس على حقوق وواجبات من طرف كل من الزوج و الزوجة، وتقوم على أساس علاقة شرعية بينهما. ونظرا لأهميته نجد الفتاة تلقى تربية على فكرة الزواج وهذه الفكرة تشكل طموحا بالنسبة لها داخل الحياة وبها تحتل مكانتها داخل الأسرة والمجتمع، نظرا لمكانة المرأة المتزوجة و الاحترام الذي تحظى به، لذلك يكون أهم الأدعية إلى التي تفضلها الفتاة هو الدعاء الخاص بالزواج كقوله ” الله إزين سَعْدَكْ” وينحصر الزواج في المجتمع الصحراوي غالبا داخل القبيلة فقط، بحيث يكون الاختيار من جماعته النسبة أكثر  مما كان يختارها من جماعة نسبية أخرى ويعزى هذا الزواج الداخلي إلى منطق التعصب و الولاء للقبيلة. فقد يظهر ابن العم في صورة مثالية أمام الآخرين قد لا تعكس واقعه الحقيقي، وتظهر أهمية الزواج بابن العم بالنسبة للفتاة في بعض الأقوال السائدة و المتداولة مثل قولهم “ولد عمي يَصْلَح هَمي” و “سَرْوَالْ الراجل مَنْتْ عمًُ”.

ومن ثمة يظهر جليا المفاضلة بين ابن العم الذي ينتمي إلى القبيلة نفسها وبين غيره فعدد أيام الزواج (الزفاف) أو ما يطلق عليه محليا “الصَُكة” قد يصل إلى سبعة أيام، كما كان سائدا في مرحلة البدو والترحال، وتبدأ من اليوم الأول الذي يسمى محليا (انْهَارْ العقد) وهو الذي يعقد فيه القران، ويليه اليوم الثاني وهو (انْهارْ ادخٌولْ) وهو اليوم الذي يدخل فيه العريس على عروسه في خيمة خاصة، بنيت لهذا الغرض. وتستمر مراسيم الاحتفالات إلى اليوم السابع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالزفاف الأول للشاب و الشابة، أما إذا كان أحد الطرفين قد مر بتجربة زوجية فإن أيام العرس (الزواج) لا تتجاوز ثلاثة أيام ويوم واحد إذا تعلق الأمر بعريس وعروس تزوجا من قبل.

فاليوم الأول كما أسلفنا هو يوم العقد، ويطلق عليه أيضا “يوم الدْفوع” ويقصد بذلك اليوم الذي يقوم أهل العريس إلى العروس بالمهر، والذي هو عبارة عن عدة أشياء مادية كالسكر و قطعة من الأبل أو ما يسمى (گران) و الأثواب (الخنط) وغيرها. وستقبل أهل العريس من طرف أهل العروس بثوب أبيض في جو من الزغاريد و الفرحة و الحبور، وتظهر على محياهم معالم السعادة والفرحة، وبعدها تقع المناوشات والصراعات الحميمية بين الطرفين حول ذلك الثوب الأبيض المسمى محليا “البند”، والمنتصر من الطرفين هو ذلك الطرف الذي استطاع أن ينتزع “البند” كله. وكل هذا السباق من أجل التشويق و الترويح عن النفس. وبعدها ينتقل أهل العريس داخل خيام تخصص لهذا الغرض، وفي انتظار عقد القران وقراءة الفاتحة وبعده مباشرة تزغرد النساء تعبيرا منهن عن الفرح وبعدها تبنى خيمة الزفاف بعيدا عن الخيام احتراما لمشايخ القبيلة وأكابرها. ونشير أن هذه الخيمة لا تبنى ولا تنصب إلا بعد ما تنتهي مراسيم عقد القران، وتتكلف نساء أهل الزوجة بتجهيزها وتنظيفها و تزيينها. ويبدأ في المساء الحفل الغنائي الذي تحييه فئة متخصصة في الغناء “لمعلمات” وتتخلل هذا الحفل رقصات مختلفة ومتنوعة عادة ما تجسد بعض مظاهر الحياة البدوية في الصحراء كحالة الرجل الذي يرعى الإبل أو لعب الدبوس أو المرأة أثناء قيامها بالأشغال المنزلية كطبخ الخبز وتنظيف الخيمة، وفي هذا الجو من الرقص تظهر عملية “لعلاكة” وهي بمثابة نثر أوراق نقدية على المرأة الراقصة التي أثارت انتباه المشاهد أو كتعبير عن تعلق حبيب بحبيبته، إذا كانت الحبيبة و المعشوقة هي التي ترقص لإبراز سخاه وكرمه وجوده أمام الآخرين. وتجدر الإشارة أنه خلال هذا الحفل الساهر لا ينطق العريس ولو بكلمة واحدة حسب ما تمليه العادات و التقاليد لأن كلامه في “الدخلة” أي دخوله على العروس، قد ينتج عنه مس من الشياطين أو عجز جنسي، وتأتي إلي عروسه مزينة من طرف “لمعلمة” وهي فنانة تقليدية متخصصة في الحنة، ويتجسد هذا التزيين في طرف شعرها وهو ما يطلق عليه “لْفتولْ” ولكن قدومها إليه لا يكون بمنتهى البساطة و السهولة، ولكن بنوع من المقاومة والصراخ الكبيرين وذلك تماشيا مع العادات الصحراوية، ونشير هنا أن هناك عادات تقوم بها صديقات العروس ويتعلق الأمر بتهريبها في إحدى ليالي الزفاف “الترواغْ” وفق ما تمليه العادات الصحراوية، وهذه العملية تثير إحساسا بالغيرة بالنسبة للعريس الذي تدفعه غيرته إلى البحث عنها وحمايتها إما من طرفه أو من طرف أصدقائه، وذلك تعبيرا عن الحب و الوفاء و التعلق بها.

فبعد هذا الزواج، تبدأ أم العروس في جمع ما يسمى “بالفسخة”وهي هدية تحملها الزوجة من أمها إلى أم العريس ورحيل البنت مع زوجها يسمى “أرحيل” وأثناء هذه الفترة تكون محتشمة ولا يظهر منها أي شيء لأهل زوجها بعدها تستمر في حياتها الطبيعية داخل بيتها. وتصبح عنصرا فاعلا وتستقبل الضيوف في بيتها وتتصرف بشكل مطلق في مال زوجها كيفما شاءت ، ويقول عنها صاحب كتاب “الجأش الربيط” العلامة الشيخ محمد لامام، “إذا نزل ضيف عند الأسرة الصحراوية في غيبة الرجل فلهن –أي النساء- أن يفعلن في إكرامه ما يفعل الرجل لو كان حاضرا ويقصد عندهن التقصير في معاملة الضيف وإكرامه ونضرب لذلك مثلا: (إذا كان الأسد يقتل فحتى اللبؤة تقتل) ويبتهج الزوج إذا كانت زوجته تسد مسدة في غيبته”.

2- التقاليد الصحراوية من خلال الإنجاب:

إن مكانة المرأة الصحراوية تتحدد انطلاقا من عملية الإنجاب و الخصوبة، هذه العملية محكومة بعدة عوامل سوسيوثقافية، حيث إن خصوبة المرأة و إنجابها للأطفال تمنح لها حضورا متميزا داخل المجتمع الصحراوي، وتكون أرفع شئنا وقيمة من المرأة المتزوجة و التي لا تلد (عقيم)، وأن تلك التي تلد الأطفال الذكور أرفع درجة وشأنا من المرأة التي تلد الإناث فقط، وبالتالي فإن المرأة تستمد مكانتها الاجتماعية وقيمتها المثلى من مدى إنجابها للأطفال وخاصة الذكور، وتزداد سموا كلما أنجبت الأطفال بكثرة، هؤلاء الأطفال الذين يؤمنون شيخوختها حيث الوهن و الضعف الجسدي الشديد.

إن عملية الإنجاب عادة ما تكون مصاحبة بعدة طقوس وعادات، فعادة ما تخفي المرأة الصحراوية حملها وخاصة في المراحل الأولى من هذا الحمل خوفا من الأعمال السحرية والشعوذة، ويعتقد الصحراويون أن المرأة في هذه المرحلة تعيش حالة يطلق عليها “الشهوة” ويقصد بها أن المرأة الحامل قد تشتهي أشياء كالحلي و الأثاث و أشياء أخرى و أغرب ما تشتهيه هو أن تميل نفسها إلى أكل الفحم الخشبي أو الطين.

وتقرأ بعض الآيات القرآنية أثناء عملية الولادة، مثل سورة الفاتحة إضافة إلى آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين –أي “قل أعوذ برب الفلق” وقل أعوذ برب الناس”-، كما أنه يقوم إحدى الرجال بالآذان في أذني المولود، على اعتبار أن هذه العملية (عملية القرآن) تأمن الطفل وتحفظه من كيد الشياطين والعين الشريرة، وعندما يتم الرضيع حولا كاملا يٌحَلٌَقُ شعره وفق أعراف القبيلة التي تنتمي إليها أسرة الوليد “كما يحتفظ بعقد طويل حول رقبته مليئ بالتمائم وقروش الفضة المثقوبة وحبات من مسابح الشيوخ، كما تلجأ بعض الأسر أخرى تحنك أطفالها بالقطران عوض العسل لتصبح قلوبهم قاسية لا تلين”.

وجدير ذكره، أنه أثناء عملية الولادة، وخاصة إذا كان الطفل ذكرا، عادة ما يستبشر أهله خيراً ويعم الفرح لديهم، وتزغرد النساء ثلاث مرات تعبيرا منهن عن الفرحة العارمة مع ما يرافق ذلك من ضرب للطبل و إطلاق للرصاص، أما إذا كان الطفل أنثى يكتفين بواحدة أو بالصمت فهم يفرحون بالأنثى ويطلق على الأب الذي أنجب طفلاً أنثى بقولهم “صَاحَتْ عليه انوالة”، ولا يذبح لها يوم الميلاد، أما المرأة التي تلد البنات –كعادتها- فإنها عند نهاية أربعين يوما تذهب إلى المرأة التي تلد أطفالا ذكورا، ويطلق عليها محليا “تربعن عَنْدَها” وتقوم هذه الأخيرة بحلاقة رأس المولود إيمانا منها أنها ستنجب أطفالا ذكورا في المستقبل.

وهذا يبين بشكل جلي مكانة الطفل الذكر داخل المنظومة الثقافية الصحراوية، وبعد مرور سبعة أيام من استقبال الضيوف و العائلات التي جاءت لتقديم التهاني و التبريك بمناسبة الولود الجديد، نصل إلى يوم العقيقة، ويستمد هذا  اليوم مشروعيته من السنة النبوية إضافة إلى الثقافة التقليدية، ويطلق عليه يوم “لَسَمْ” نسبة إلى عملية التسمية، وفيه تذبح العقيقة، ويتم اقتراح عائلة كل من الأب و الأم ثلاثة أسماء فيما بينهم، ويدخلن في تيار يمتد ثلاث جولات وعندما يستقر الاسم في الجولة الثالثة يكون الاسم النهائي للطفل وبعد مرور أربعين يوما على ميلاد الطفل، تذهب الأم مع رضيعها إلى إحدى قريباتها كخالتها أو عمتها أو غيرهم لتقضي عندها يومها الأربعين وتفضل أن تكون هذه القريبة  تتميز بمواصفات عدة كسلامة النسل وحسن الطالع و حسن السعد وغيرها، وتأتي إليها محملة ببعض الهدايا كالسكر أو العطر أو الملابس (الملاحف) أو شيء من هذا القبيل تكريما لها في الوقت الذي تقوم فيه القريبة بالاستقبال وتذبح ذبيحة تكريما للمرضعة الزائرة.

* أستاذ ا باحث في سوسيولوجية الصحراء.

  “علم الاجتماع السياسي” موريس دوفرجيه، ترجمة د سليم حداد ص 79 المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر والتوزيع.

  بحث لنيل استكمال الدروس ” التمييز الاجتماعي من خلال مؤسسة الزواج داخل واد الذهب وعيون الساقية الحمراء” للطالب دحمان محمد إشراف محمد جسوس السنة الجامعية 92-93 كلية الآداب الرباط.

  بحث لنيل الإجازة في علم الاجتماع ” المرأة الصحراوية و التغير الاجتماعي” للطالبة خي المامية تحت إشراف المختار الهراس السنة الجامعية 93-94 كلية الآداب و العلوم الإنسانية الرباط.

  المرجع السابق.

  “الساقية الحمراء ووادي الذهب” محمد الغربي ص 154 الجزء الأول دار الكتاب الدار البيضاء.

 “سيسطوقيا المعتقدات الصحراوية من طقوس الميلاد إلى شعائر الدفن” بحث لنيل الإجازة في علم الاجتماع للطالبة باهمو محجوبة تحت إشراف إدريس بنسعيد 97-98.

  المرجع السابق.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً