الرئيسية منبر الواقع قراءة في المبادئ الدستورية المؤطرة للجهوية المتقدمة

قراءة في المبادئ الدستورية المؤطرة للجهوية المتقدمة

كتب في 17 يوليو 2019 - 9:00 ص
مشاركة

بقلم: يونس صبار*


تبـدو التجربـة الدسـتورية المغربية منخرطـة في إطـار سياسـي مميـز، فبقـدر تفاعلهـا مـع الربيـع العـربي، فإنها نهضت علـى مقاربـة تنتصـر لمبدأ الاصلاح في ظل الاستمرارية.


وإذا كان دستور 2011 قد فتح مرحلة جديدة في تاريخ المغرب المعاصر، فإنه نجح في تدشين عهد جديد للجهوية، عبر التنصيص عليها كثابت من ثوابت الأمة المغربية، فإضافة الى الفقرة الأخيرة من الفصل الأول من الباب الأول التي تنص على أن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي يقوم على الجهوية المتقدمة،” فإنه خص الباب التاسع منه للجهات والجماعات الترابية الأخرى، من خلال التنصيص على مقتضيات متقدمة فيما يخص الجهوية، إذا تمت دسترة مقتضيات منها ما يتعلق بالتدبير الجهوي والحكامة الترابية، والتنمية الجهوية والمندمجة وتعزيز اللاتركيز الإداري، هذا وقد نص الدستور الجديد على الارتقاء بالنظام الجهوي وتوطيد ركائز الجهوية المتقدمة وتدعيم مكانتها المجالية، وقد استفاد من العمل الذي قامت به اللجنة الاستشارية للجهوية، والمضمن في تصورها العام، وقد شكل تقريرها أرضية صلبة لدسترة المقتضيات الآنفة الذكر، وأخذت لجنة مراجعة الدستور توصيات واقتراحات التقرير بعين الاعتبار.


المطلب الاول: مبدأي التدبير الحر والتفريع


اعتماد مبدأ التدبير الحر في ممارسة الاختصاصات


التدبير الحر يعني أن المجالس الجهوية لها كامل الصلاحية والحرية في تحديد وبلورة اختياراتها وبرامجها، في احترام تام بطبيعة الحال للمقتضيات القانونية والتنظيمية وبمراعاة للإمكانيات التمويلية المتاحة، والتدبير الحر معناه إلغاء مفهوم الوصاية على عمل المجالس الجهوية و كل أشكال الرقابة المتعلقة باختياراتها.


وقد ورد هذا المبدأ في الفصل 136 من الدستور والذي نص على أن التنظيم الجهوي والترابي يرتكز على مبادئ التدبير الحر، بمعنى أن تمارس الجماعات الترابية اختصاصاتها بما هو موكول لها في النصوص القانونية، والدولة لها حق المراقبة البعدية، أي ترك نوع من الحرية للمدبر المحلي في ممارسة اختصاصاته في مقابل مسائلته عن النتائج التي أنجزها، وله حرية التصرف في الموارد المتاحة له في إطار احترام القانون، ومبادئ التدبير الحر تستمد أسسها من مفهوم “الشخصية المعنوية” التي تتمتع بها الجماعات الترابية وبمقتضاها تتمتع هذه الأخيرة بالاستقلال الإداري والمالي، وكانت فرنسا هي السباقة في تطبيق مبدأ التدبير الحر “le principe de libre administration” للجماعات الترابية منذ دستور 1958 من خلال الفصل 34 وأكده التعديل الدستوري لـ 28 مارس 2003 في الفصل 72، وهذا المبدأ يعني أن الجماعات الترابية تدبر بحرية من طرف مجالسها المنتخبة وقد اعتبر مجلس الدولة الفرنسي مبدأ التدبير الحر من الحريات العامة التي لا يجب المساس بها (قرار متعلق بجماعة “فينيل” 18 يناير 2001).


فالتدبير الحر كما نص عليه دستور2011 سيمكن الجماعات الترابية من ممارسة اختصاصاتها بنوع من الاستقلالية، مقابل ذلك التقليص من الوصاية الممارسة عليها، حيث أصبح دور الولاة والعمال في علاقتهم بالجماعات الترابية وفي صدارتها المجالس الجهوية ينحصر حسب الفصل 145 من الدستور في مساعدة الجماعات الترابية، وخاصة رؤساء المجالس الجهوية، على تنفيذ المخططات والبرامج التنموية، وهم يعملون باسم الحكومة على تأمين تطبيق القانون، وتنفيذ النصوص التنظيمية للحكومة ومقرراتها، وممارسة المراقبة الإدارية، لكن لا يمكن أن يفهم من هذه العبارات بحال من الأحوال تحويلها إلى نوع من الوصاية، لأن الدستور عندما نص على مبدأ التدبير الحر لم يقيده بأي شكل من أشكال الوصاية.


وبالتالي حتى في حالة ملاحظة ما يمكن اعتباره إخلالاً باحترام المقتضيات القانونية في تدبير الجماعات الترابية، فإنه يجب الطعن في ذلك لدى المحاكم الإدارية احتراماً لمبدأ التدبير الحر.


والدليل الآخر على استقلالية المجالس الجهوية في ممارسة اختصاصاتها دون وصاية مركزية أو محلية، يتمثل في تلك المكانة التي منحت لرؤساء مجالس الجهات، حيث يقومون بتنفيذ مداولات هذه المجالس ومقرراتها.


إذن مبدأ التدبير يعد من أحد أهم مقومات الجهوية المتقدمة، وعبره يتم الاعتراف بالحق للجماعات الترابية بتسيير شؤونها المحلية، من خلال إعطاء حرية لهذه الهيئات قصد ممارسة اختصاصاتها ووضع التدابير اللازمة لتحقيق ذلك، كما يعتبر التدبير الحر آلية هامة وفعالة لربح الرهانات المطروحة فيما يتعلق بتنمية الجهات وجعلها أقطاباً حقيقية للتنمية، فالمجلس الجهوي في ظل هذا المبدأ الدستوري هو القائد المخطط، والبنّاء الاستراتيجي للتنمية الجهوية، وذلك لتوفره على صلاحيات وضع وتتبع البرامج التنموية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، وهذا يجعل الجهة مجلساً للتدبير، خاصة بعد التنصيص على التنسيق بين القطاعات اللاممركزة الذي يقوم به الولاة والعمال على الصعيد الجهوي، وهذا لا شك أنه سيؤدي إلى تبني سياسة اللاتمركز الواسع الذي يعتبر مدخلاً أساسياً لنجاح الجهوية المتقدمة.


اعتماد مبدأ التفريع في توزيع الاختصاصات


يعتبر مبدأ التفريع principe de subsidiarité من الآليات الحديثة المتبعة في الأنظمة اللامركزية، وهو مبدأ يقوم على التوزيع الشريف للاختصاصات والموارد عملا بالمبدأ الأصيل في الالتزام بناء على حسم قانوني واضح أو تعاون وتفاهم شريف، أي ما يستطيع الأدنى القيام به يترفع عنه الأعلى وما يعجز عنه الأدنى يتولاه الأعلى.


وبمعنى آخر فإن الإقليم اتباعاً لمبدأ التفريع يقوم بما لا يمكن للجماعة أن تقوم به، والجهة تتكفل بما لا يمكن إسناده للجماعات المحلية الأخرى أن تقوم به، والدولة تمارس الاختصاصات التي لا يمكن إسنادها للجماعات المحلية في مستوياتها الثلاث، أي سيتم تشييد الدولة من القاعدة للقمة، ولا يمكن أن تتدخل في المستقبل إلا على أساس تعويض تخلفات، أو تصحيح نقائص، أو تقوية عجز لدى الجماعات والمجتمع المدني.


ويتجدد هذا المبدأ تلقائيا مع اللامركزية إذ لا يسمح للجماعات الصغيرة بضمان تكاليف عمل المرفق، بل إن الواجبات تصبح موزعة حسب كل مستوى قادر على العمل كما يجبر الجماعات الأدنى كلما أبانت عن المقدرة والاستعداد اللازمين.


ومن جانب آخر يسمح مبدأ التفريع أيضا بتنظيم القدرة على اتخاذ القرارات بشكل سريع وفوري دونما الحاجة إلى انتظار توجيهات وأوامر آتية من فوق، الشيء الذي يجعل الجهات قادرة على إغناء نفسها عن طريق اتساع الخيرات مع المكونات المجتمعية الأخرى الفاعلة على المستوى المحلي. وهو بهذا المعنى يقترح بشكل طبيعي تنظيماً ترابياً بسيطاً، مرناً وملائماً كأحد شروط الرواج الاقتصادي وتحديثه.


وقد ورد هذا المبدأ لأول مرة في مشروع الحكم الذاتي، حيث نصت عليه الفقرة 17 بشكل صريح “من جهة أخرى، تمارس الاختصاصات، التي لم يتم التنصيص على تخويلها صراحة، باتفاق بين الطرفين، وذلك عملاً بمبدأ التفريع”.


كما تم التنصيص على هذا المبدأ بشكل واضح في تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية، حيث تضمن في أحد اقتراحاتها ما يلي: “فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، يعتبر كل مجال للاختصاص (الماء، الطاقة، النقل….) قابلاً لأن تتقاسمه الدولة والجماعات الترابية عملاً بمبدأ التفريع”.


وجاء دستور فاتح يوليوز 2011 ليؤكد على مبدأ التفريع من خلال الفصل 140والذي بموجبه خول للجهات اختصاصات ذاتية وأخرى مشتركة مع الدولة واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة، بل أن الدستور أعطى لهذه الجهات وباقي الجماعات الترابية سلطة تنظيمية لممارسة صلاحيتها.


ومبدأ التفريع يبقى أكثر حضوراً وتماشيا في ألمانيا لأنه يعد مصدراً مهماً في الكتابات القانونية، ويُعد من المبادئ الأساسية للتنظيم الفيدرالي ليس فقط على مستوى المؤسسات وإنما أيضاً على مستوى النقاش حول المكانة المتعلقة بالسلطات العمومية والمجتمع.


المطلب الثاني: مبادئ الوحدة و التضامن و التوازن


الوحدة: إن الوحدة هي التي تنبني على وحدة الوطن والتراب، التي تحيل في معناها الملكي إلى التشبث بمقدسات الأمة وثوابتها في وحدة الدولة والوطن والتراب، وبالإمكان اعتبارها المرجعية الصلبة في كل توجه مستقبلي للجهوية المتقدمة، بل إن التجارب الدولية في هذا الإطار تؤكد على الأولوية التي يجب إعطاؤها لهذا المبدأ المحوري، الذي يجعل ” وحدة الدولة” القاعدة الجامعة لاعتبارات التنوع المجالي والإثني والثقافي، فالجهوية الموسعة يجب أن تكون تأكيدا ديمقراطيا للتميز المغربي الفني بتنوع روافده الثقافية والمجالية المنصهرة في هوية وطنية موحدة.


وفي هذا الإطار يجب أن لا يغيب على الاذهان المشاكل ذات الطابع السياسي والتي تواجه المغرب، ويتعين إيجاد حلول لها بتوافق بين جميع المكونات الاجتماعية والسياسية والإدارية وفي نظرنا فإن الجهوية المتقدمة ما هو إلا بلسم لتلك المشاكل التي يمكن أن تبرز في كل لحظة وتهدد السلم الاجتماعي للساكنة ونعني بذلك مشكل الصحراء المغربية .


كما أن هناك من يتساءل ولو بشكل محتشم عما إذا كان يراد من الجهوية المتقدمة احتواء بعض مطالب النخب في مناطق معينة كمنطقتي الريف وسوس، تطالب بتمكينها من حكم ذاتي، فهذا التساؤل يستلزم الجواب عنه مواجهة الواقع المغربي بوعي عار عوض القفز على الحقائق، فهناك من أبناء بعض المناطق من ينادي بنوع من الحكم الذاتي، ومنها منطقة الريف التي توجد بها حركة تطالب بالحكم الذاتي، إضافة إلى منطقة سوس رغم أن الإعلام لا يتحدث عنهما، هذا الواقع موجود، وقد يكون القصد من وراء تطبيق الجهوية المتقدمة في مختلف الجهات المغربية هو احتواء هذه الأصوات التي تنادي بنمط جديد من الحكامة الترابية وبأسلوب جديد للتدبير المجالي فمهما يكن فقد حان الوقت للمغرب لوضع حد له باعتماد مقاربة جهوية كحل له، وذلك بخلق جهات لها من الاستقلالية ما يمكنها من تدبير شؤونها بكل استقلالية دون التخلي عن هويتها الوطنية والوحدة الترابية التي هي تابث من الثوابت التي لا يمكن المس بها أو الإساءة إليها ، كما أن هذه الجهوية لا ينبغي أن تساهم في إعادة إنتاج الدولة التقليدية التي عرفها المغرب، فمعلوم أن الدولة التقليدية بطبيعتها كانت تفسح المجال أمام كثير من القبائل خاصة تلك البعيدة عن المركز للتمتع بنوع من الاستقلال النسبي عن السلطة، فهل يمكن اعتبار هذه التجربة التي عاشتها بعض القبائل في إطار ما يسمى بالدولة التقليدية نوعا من الجهوية التي نريد أن نطبقها راهنا؟ عندما نتحدث الآن عن الجهوية المتقدمة فنحن نتحدث عنها في إطار تكريس دعائم الدولة الحديثة التي تقطع مع دعائم الدولة التقليدية، أي أننا لا نتعامل مع الجهوية من منظور إثني او قبلي كما كان عليه الحال في الدولة التقليدية، ولكننا نتعامل مع الجهوية المتقدمة كأسلوب جديد لتدبير علاقة سلطة المركز بمحيطها، وكذلك كأسلوب لتحقيق الديمقراطية المحلية ورفع تحديات التنمية.


إن الجهوية المتقدمة في إطار الوحدة الترابية، هو أرقى أسلوب للجهوية تمنح بمقتضاه إمكانية قيام مؤسسات مستقلة في ظل الوحدة الترابية والسيادة الوطنية واحترام تام للتشريعات الوطنية ومتطلبات السيادة الوطنية، ومع انسجام تام واحترام لخصوصية كل جهة لتدبير شؤون جهتها حسب معطياتها وظروفها وإمكانيتها المادية والطبيعية والاقتصادية والبشرية.


الالتزام بالتضامن:


التضامن ما بين الجهات أو التضامن الوطني، كلها مسميات لقاعدة مقابلة، وهي قاعدة ” تضامن الدولة” إذ أن التنوع في الإمكانيات والوسائل يلزم أن يتوحد على مستوى دعم شروط تنمية الدولة الواحدة اقتصاديا واجتماعيا، وهذا ما يستدعي استثمار كل جهة لمؤهلاتها على الوجه الأمثل مع إيجاد آليات ناجعة للتضامن المجسد للتكامل والتلاحم بين المناطق في مغرب موحد، فهناك اختلالات وهذا ما يفسر أسباب النزول بكل تأكيد، ومن بين هذه الاختلالات وجود تفاوت بين الجهات، حيث هناك جهات غنية تتوفر على موارد كبيرة وهناك جهات فقيرة، وبالتالي فالتساؤل المطروح عن إمكانية نجاح الجهوية المتقدمة بين مناطق غنية وأخرى فقيرة، غير أنه بالرجوع إلى التجارب الدولية التي تطبق نظام الجهوية، نجد أن هناك تفاوتا بين الإمكانيات الطبيعية والبشرية بين الجهات، فعندما نستحضر النموذج الإيطالي، نجد أن وضعية مناطق الشمال ليست هي وضعية مناطق الجنوب، كما أن هناك تباينا بين الجهات في إسبانيا.


والجهوية المتقدمة يطرح في الواقع كحل لتجاوز هذه التفاوتات بين جهة وأخرى، خاصة وأن الحديث لازال مستمرا عن مغرب نافع ومغرب غير نافع، كما كرست ذلك السياسة الاستعمارية الفرنسية، لذلك يجب التعاطي مع الجهوية المتقدمة كوسيلة تمكن الجهات التي تعاني من خصاص على مستوى الموارد البشرية والطبيعية من تجاوز هذا الخصاص.


إن تعزيز الجهوية يقتضي بالضرورة المزيد من التضامن الترابي، و وبالفعل فالمغرب و على غرار العديد من البلدان، يؤدي تمركز أماكن إنتاج الثروة في مناطق معينة إلى عدم قدرة الجهات كلها على تغطية احتياجاتها من حيث الانفاق اعتمادا على مواردها الذاتية، وعلاوة على هذا التفاوت في المداخيل ينضاف التنوع الجغرافي الكبير الذي يعني بالنسبة لبعض الجهات تكاليف أكبر عند تقديم الخدمات العمومية ويتعلق الأمر على الخصوص بالمناطق الجبلية حيث يتطلب فك العزلة عن الساكنة تكاليف باهظة، وتحقيقا لشرط التضامن الترابي فإن الحلول المطبقة في مختلف البلدان جاءت تمرة لمسار طويل وخاص، اعتمد كقاعدة عامة تحويل جزء من موارد الدولة نحو المستويات الترابية الأدنى، وهذا ما يفسر ارتفاع الموارد المحولة من الدولة نحو الجماعات المحلية في البلدان التي تتميز بلامركزية متقدمة فهي تمثل 60%من موارد الجماعات المحلية في الاقتصادات الصاعدة و 0%3في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE).


وعلى هذا الأساس فمشروع الجهوية المتقدمة المنبثق من التوجيهات الواردة في الخطاب الملكي بتاريخ 3 يناير 2010، يتطلب وضع منظومة للتضامن تتجاوز إلى حد بعيد الإطار الضيق والمحدود أحيانا لآليات الموازنة التي يراد منها بصفة عامة تقريب الموارد أو التحملات المالية للجهات الأكثر فقرا من متوسط التنمية السوسيو اقتصادية، وفي هذا الإطار ارتأت اللجنة الاستشارية العمل في البداية على الرقي بالجهات التي تعاني من صعوبات تنموية إلى حد معقول في ما يتعلق بمستوى المعيشة قبل تبني منطق ملاءمة الموارد.


لهذا السبب جاء اقتراح اللجنة بإنشاء صندوق للتأهيل سيمكن من تحسين مؤشرات الجهات المتأخرة في المجالات المتعلقة بالحقوق الأساسية للمواطنين مثل الصحة والتعليم.


وبموازاة ذلك، اقترحت اللجنة إحداث آليتين إضافيتين من شأنهما تقوية التضامن الجهوي ويتعلق الأمر أولا بمراجعة طرق وتوزيع التحويلات بهدف تعزيز قدرتها على تحقيق الموازنة وثانيا صندوق للتضامن لفائدة الجهات الأكثر تأخرا.


وعلى هذا النحو يمكن الجزم بالتكامل والتضامن الاقتصادي بين الجهات الذي سيضمن النمو الاقتصادي المتكافئ والذي بدوره سيضمن النمو والاستقرار الاجتماعي والسياسي.


التوازن: أي التناسق في الصلاحيات والإمكانيات وتفادي تداخل الاختصاصات بين مختلف الجماعات المحلية والسلطات والمؤسسات، فمقومات مثل هذا المبدأ ينبغي أن تقوم على تحديد الاختصاصات الحصرية المنوطة بالدولة مع تمكين المؤسسات الجهوية من الصلاحيات الضرورية للنهوض بمهامها التنموية في مراعاة مستلزمات العقلنة والانسجام والتكامل، هذا التوجه يقابله مبدأ يقوم على قاعدة توازن الدولة الذي يجعل الجهوية المتقدمة ” لا تذويبا لصلاحيات الدولة المركزية التي تحتفظ في ظلها بمقومات الفعل السياسي وما يستتبعه من مهام واختصاصات، ولاتضخيما غير معقلن لصلاحيات الجهات، التي تبقى الفاعل المرجعي في شروط التنمية”


إذا قمنا بتحقيق هذا المبدأ وهو مبدأ التوازن فإننا سنكون قد حققنا مبدأ الفعالية الذي يرتكز على النجاعة الاقتصادية وتسريع وثيرة النمو والرفع من العائدات الإجمالية للاقتصاد الوطني، فمن واجب الدولة أن تساعد الوحدات الترابية على تثمين عناصرها الإيجابية وإبراز مؤهلاتها بأفضل وجه بدءا بالموارد البشرية مرورا بالتجهيزات التحتية والمرافق وانتهاء بالموارد الطبيعية، والترجمة المجالية لهذا تتخذ بعدين:

  • الفعالية الترابية الشاملة للخدمات العمومية الكبرى و للشبكات الوطنية للنقل والاتصال وتحويل الطاقة
  • الفعالية الاقتصادية للمجالات الحضرية والقرية على المستوى المحلي.
  • وهذين البعدين لا يمكن تحقيقهما إلا بالارتكاز على مبدأ التوازن.


ومفهوم التوازن مفهوم ساكن، ويمكننا أن نتحدث عن التوازن داخل جهة ما على سبيل المثال بمقاربة مؤهلاتها الطبيعية مع الاستغلال الذي تخضع له، كما يمكننا التحدث عن التوازن على المستوى الوطني لمقارنة توزيع النمو الاقتصادي مع توزيع النمو الديمغرافي، وهناك ارتباط وثيق تشكل من خلال مفهوم التوزان الجهوي أو التآزر المتفاوت في علاقتهما بالحكامة، بحيث أن المفهوم الأول يرتكز على أن الجهات والدولة هما الفاعلين الأساسيين في تدبير المجال، وفي المفهوم الثاني تظهر الجهات المتباينة النمو تخلق اللاتوازنات الترابية، وكانت ولازالت بعض الجهات الرائدة تحتكرعلى حساب باقي الجهات الأخرى ، لذا فإن مبدأ التوازن يقوم على تمكين الجهات بالصلاحيات الضرورية لتقوم بمهامها في إطار العقلنة والانسجام والتكامل.


ذ: يونس صبار باحث في القانون العام والعلوم السياسة

error: Content is protected !!