الرئيسية ثقافة ومجتمع العيون .. توقيع كتاب “رحلة المشتاق من الساقية الحمراء إلى وادي أبي رقراق” لكاتبه الأستاذ محمد الأغظف دادة

العيون .. توقيع كتاب “رحلة المشتاق من الساقية الحمراء إلى وادي أبي رقراق” لكاتبه الأستاذ محمد الأغظف دادة

كتب في 30 يونيو 2021 - 1:05 م
مشاركة

إحتضن معهد الصحافة المتخصص في السمعي البصري IPSA بالعيون، مساء اليوم الثلاثاء 29 يونيو 2021 حفل توقيع كتاب ألفه وأعده الكاتب الروائي الأستاذ محمد الأغظف دادة يحمل عنوان: (رحلة المشتاق من الساقية الحمراء إلى وادي أبي رقراق).


هذا الحفل أطرته الكاتبة المرموقة السالكة الغزاري وحضرته مجموعة من الأساتذة و المثقفين و المهتمين بالشأن الأدبي و التاريخي.


تجدر الإشارة إلى أن هذا الإصدار يتناول السيرة الذاتية لمؤلفه الأستاذ محمد الأغظف دادة.


وفي تقديمه لهذا الكتاب كتب الدكتور بوزيد الغلى قائلاّ:لا يسوغ الكلام عن السرد المكتوب قصة كان أو رحلة أو رواية أو نصا مسرحيا أو سيرة ذاتية أو مذكرات ويوميات دون التنويه بغلبة الثقافة الشفهية وتسيّدها طيلة حقب متطاولة فالنصوص السردية المكتوبة بالصحراء إنما خرج معظمها من تحت معطف الثقافة الشفهية فالشفاهة أو النقل من فم لأذن هي الوسيط الذي تحقق من خلاله السرد في الصحراء خلال فترة الترحال على جهة التخصيص.


والنص الذي كتبه الأستاذ محمد الأغظف دادة يتضمن كثيرا من المحكيات récits والمشاهدات والذكريات التي لم تبرح ذاكرته منذ فترة الصبا زمن الخمسينات مرورا بمراحل التسيار من مكان إلى آخر لأسباب مختلفة منها دواعِ اجبارية (مضايقات الاسبان) واختيارية (الانتجاع، الالتحاق بالمدارس…) الأمر الذي ينقل القارئ من “ذاكرة الأماكن” التي عاش فيها الكاتب إلى “أماكن الذاكرة” إن شئنا أن نستعير المفهوم الذي عمق البحث فيه “بيير نورا” معتبرا أن بعض الأماكن تحمل قيمة رمزية وتكمن وظيفتها في تشكيل هوية.


وبالنظر إلى “الساقيةالحمراء” كمكان للذاكرة أسهم في تشكيل وعي الكاتب خلال صباه نخلص إلى أنها تمثل مكانا رسخ في الذاكرة لا أعني ذاكرة الكاتب فحسب وإنما أعني الذاكرة الجماعية لكل الذين عمروا المنطقة وارتبطت في وجدانهم بجمال طبيعي بكر لم تلحقه الخدوش التي سببتها أحداث يمكن أن ندرجها ضمن “الذاكرة التعيسة” كأحداث القصف الاسباني الفرنسي إبان ما بات يسمى بعملية المكنسة Ecovion التي خصص لها الكاتب حيزا مهما من هذا العمل مبرزا فداحة الجرائم التي ألحقها الطيران الغازي ليس بالبشر فقط بل بالأنعام أيضا.


لا يستدعي الكاتب حدث إيكوفيون كما يستدعيه المؤرخون من أجل إبراز مخلفاته ونتائجه وإنما يستدعيه في سياق نابع من ذاكرة الفتى الذي عاش فترة الهرب والتخفي والتمويه بالالتصاق بجذع شجرة ثم حث ما تبقى من القطيع من أجل الوصول إلى مكان آمن بضواحي الطنطانوينبغي أن نشير في هذا الصدد إلى أمرين هامين:أولهما: يعطي النص للقارئ انطباعا هاما يتمثل في كون الترحل والانتقال من مكان إلى مكان سابق ومقدم دوما على الاستقرار، لذلك شعر الكاتب بأن العودة إلى الساقية الحمراء عودة إلى أصل منطلق الرحلة الطويلة والضرب في الأرض الذي قاده إلى مدن مغربية كثيرة.


ثانيهما: إن الترحل من مكان إلى آخر يكسب صاحبه هوية جديدة تشبه من حيث التصور ما عناه ألبير مانغويل عندما قال “فأثناء إنشاء المكتبة تكون الكتب المستخرجة من صناديقها مقبلة على وضعها فوق أحد الرفوف فتنسلخ عن هوياتها الأصلية وتكتسب هويات جديدة من الركن المحدد سلفا أو من صلات وصل عشوائية.. المكتبة مكان للذاكرة (يحتضن) ذكريات المدن التي اكتشف فيها (صاحبها) كنوزه ذكريات المزادات حيث اشترى عددا منها ولعمري لقد اكتسب الكاتب أثناء فترة تسياره من مكان إلى آخر هويات جديدة فقد تكلم مع بعض الأمازيغ بضواحي تزنيت بلسانهم بعد أن مكث فيهم زمنا معلوما واكتسب مهارات لعل من أطرفها مهارة قطف ثمار التين الشوكي على خلاف الصبي الذي احتوشه في كمّه وذهب به سعيدا فرحا بما أصاب إلى أمه التي أصيبت بالخيبة !.


في النص ذكريات طريفة تثير الفكه والسخرية أحيانا وأخرى تبعث الرهبة والخوف إذ أنها ترتبط بمخاطر ومغامرات يتذكرها الكاتب كأنه عاشها منذ أمد قريب لدرجة “تجعل لحظة الاستذكار لحظة للتحقق على حد تعبير بول ريكور فتحت عنوان “ليلة تعيسة” استعاد الكاتب لحظة هجوم البعوض عليه وهو غائص حد الركبتين في الوحل غير قانط من استقاء الماء لأهله إذ قال: ” تسمرت بمكاني والوحل يقيدني و زغاريد “الناموس” تملأ المكان مر وقت قصير فإذا بشيخ يتسلل بين الشجيرات المحيطة بالغدير يريد الماء رآني كشبح مشى بخطوات متثاقلة إلى الوراء و هو يقرأ البسملة ناديته بأسلوبي قائلا: “ألا أنا، ألا أنا” قال:” من أنت ..؟” عرفته على نفسي و طلبت منه َ النجدة فأسرع إلي و خلصني من الوحل وهو يقول: “ما الذي جاء بك في هذا الوقت المخيف أيها التعس؟ ساعدني في “السقاية” ثم رافقني إلى النوالة حيث يوجد الدادة الوالد والأخ الهيبة بدأ الشيخ يعاتبهما قائلا:”كيف يروق لكما إرسال هذا الصبي في هذه الساعة؟ ألم تعلموا أنه كاد يغرق؟”.


تتقاطع سجلات الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الجماعية في النص الذي يبرز كثيرا من مظاهر تماسك المجتمع وآداب الضيافة وحسن مقام الأسر التي نزحت وقادها الترحال إلى مواطن الماء والكلأ والأمان مثل منطقة أيت باعمران وعيون إيغمان وجِنان الصبار بجبال كَير وخنيك الحمام وبادية الطنطان أو ضواحيه وغير ذلك من الأماكن التي تحمل “ذكرى أو مجموعة ذكريات واعية أو غير واعية لتجربة معاشة أو مشبعة بحمولة أسطورية قوامها هوية جماعية ذات ارتباط وثيق بالإحساس بالماضي” وذاك هو حد الذاكرة الجماعية عند بيير نورا الذي ميز بينها وبين الذاكرة التاريخية.ليس للذاكرة التاريخية حيز كبير في هذا النص الأقرب إلى “السيرة الذاتية” أو على الأصح ” المذكرات الشخصية” لكن الأحداث التي أصبحت جزءا من التاريخ المنسي أو تاريخ المهمشين مبثوثة في مواضيع متفرقة من الكتاب مثل أحداث الاحتجاج أواسط الستينات في ظل الظروف الصعبة التي خلفها الجفاف ما بين 1961-1965 للمطالبة بالحصول “على نصيب من الشعير ” وانتهت بتدخل أمني أفضى إلى اعتقال بعض الشيوخ لأيام قليلة ذكر منهم الكاتب رجلين من رجالات المنطقة فضلا المغادرة في اتجاه مناطق النفوذ الإسباني نتيجة ما لاقوه من إهانة وسوء معاملة رغم كبر سنهما !.الإنتقال من البداوة والترحال إلى الاستقرار لم يقع طفرة واحدة لذلك كان التحاق الطفل /الراوي بالسكويلة (المدرسة) بمثابة لحظة “الخلاص” التي تطلع إليها منذ محاولته إقناع والده ببيع القطيع كي يتخفف من متاعب رعي الغنم.


لقد كانت الخيمة الكبيرة التي أقيمت في مخيم للرحل ببادية الطنطان منعطفا هاما في حياة الكاتب وأطفال المخيم عامة إذ ستدشن مرحلة التسجيل في المدرسة العمومية .. نقلة حقيقية نحو تحقيق آمال الطفل الذي لاقى صعوبات جمة في الحصول على دفتر الحالة المدنية ووثائق الهوية التي ستكفل له اجتياز امتحان الشهادة الابتدائية. من المهم ملاحظة أن تغييب الثانويات بالصحراء خلال فترة الستينات والسبعينات ليس سوى حلقة من حلقات مسلسل تدبير الشأن التعليمي بخلفيات واعتبارات غير تربوية فكما اضطر الكاتب وأقرانه للانتقال من الطنطان وعموم الصحراء نحو بويزكارن من أجل الدراسة بالسلك الإعدادي لا يزال آلاف الطلبة المنحدرين من الصحراء يحزمون أمتعتهم كل سنة من أجل النزوح نحو المدن المغربية للتسجيل في كليات الطب والهندسة والحقوق والآداب وكأن الحق في التعليم الجامعي معلق في الصحراء إلى أجل غير معلوم ومن المؤسف أن يضطر التلميذ الوافد على بيئة غير بيئته إلى الانقطاع عن الدراسة أو الفرار ومنهم من إلتحق بجبهة البوليساريو والذين أشار إليهم الكاتب في معرض حديثه عن صلف وعنف الحارس العام بثانوية محمد الشيخ ببويزكارن المسلط ظلما على الطلبة الوافدين من الصحراء الذين اتخذ بعضهم قرار التخلص من سوء المعاملة بالالتحاق بجبهة البوليساريو بينما صبر آخرون وتحملوا التمييز القائم على أسس غير تربوية من أجل استكمال مشوارهم الدراسي.يتيح النص تتبع مسار طالب تحدى كثيرا من الصعاب واستطاع استكمال مشواره الجامعي برفقة عدد من زملائه وأبناء عمومته دون أن يفرط في التنويه بالبيئة الحاضنة من الأقارب وأصحاب البيوتات الكبرى الذين شكلوا على امتداد مدن شمال المغرب ووسطه عامل دعم للطلبة بما أسدوه من حسن وفادة وكريم ضيافة.


لقد أكد الكاتب من خلال الالتفاتة إلى دور كثير من الأقارب في دعمه طيلة مسيرة الاغتراب في سبيل التحصيل العلمي على دور التضامن الأسري والاجتماعي في تحصيل الغايات ونيل الأوطار. لقد أثبتت التجربة أن نجاح المغتربين من تجار الصحراء الذين أسسوا شبكات تجارية امتدت من واد نون إلى تمبكتو إنما اعتمدوا على عنصر القرابة في اختيار الوكلاء وتمتين وتوسيع معاملاتهم التجارية كما اعتمد الطلبة على دعم العائلة والأقرباء من أجل مجابهة مشكلات الاغتراب من أجل الدراسة في ظل قلة ذات اليد.


لن نستطيع في هذا التقديم الإحاطة بكل الجوانب التي تضمنها الكتاب لكن بوسعنا أن ننوه إلى القسم المهم الذي احتلته الصور المدرجة في الملحق وهي تمثل نمطا من السرد “عبر الوسيط الأيقونوغرافي” أي الصورة بوصفها أيقونة تحمل دلالات ومعلومات كثيرة تتعلق بذاكرة الأماكن التي زارها الكاتب والشخصيات التي أخذ معها الصور ومناسبات ذلك فضلا عن أنها تقدم فكرة عن الملابس وعن تسريحة الشعر وغير ذلك كثير مما أصبح من الماضي. إن الصور التي تضمنها الملحق ترتبط في معظمها بذكريات سعيدة لذلك فإن إدراجها فضلا عن وظيفته التوثيقية يرتبط أساسا بالمشاعر فالنظر إلى صور الأرشيف الشخصي للكاتب قد يبعث في نفسه الحنين وقد يسيل الدمع كما قد يبعث على الامتنان والاعتراف بالفضل la gratitude لهذا الشخص أو ذاك. وليس سرا أن الصور التي تضمنها الملحق تمتد من عام 1962 تاريخ الدخول للمدرسة/السكويلة إلى عام 2000 التقطت في حقل شعير بتغزرت أحد روافد وادي الساقية الحمراء والصور في مجملها تحمل طياتها أماكن الذاكرة كما توثق كثيرا من محطات رحلة المشتاق من الساقية الحمراء إلى وادي أبي رقراق.